أبي منصور الماتريدي
392
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كانت ؛ ولذلك قالوا : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ الحديد : 13 ] ، وقوله : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ . . . * الآية [ النساء : 141 ، الحديد : 14 ] فذلك وجه الاستهزاء بهم ، والمخادعة أنه أشركهم في أحكام الدنيا وخالفهم في أحكام الآخرة . وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى ، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم . وعلى ذلك يخرج تأويل من صرف إلى أهل الكتاب ؛ لأنهم آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف ، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم ، وشاهدوا كفروا به ؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم ، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردّوا إيمانهم به عند المشاهدة ، والله أعلم . وروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ضم تأويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] إلى قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [ الحج : 11 ] وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة ؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم ، ولا يؤمنون بالآخرة ؛ فيكون عملهم للعواقب ، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها ، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمنا لها . فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة ، رأوا تجارتهم مربحة فاطمأنوا بها ، واجتهدوا بالسعي فيها . وإذا أصابتهم الشدة والبلايا رأوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدين ؛ فمثلهم مثل المستوقد نارا ؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار ، ومنافع حرها لمصالح الأطعمة ، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها ، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد ، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أسلم قط . وذلك قوله : وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ [ الأحزاب : 20 ] . وقوله : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [ آل عمران : 154 ] . وقوله : قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ [ التوبة : 50 ] . وقوله : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً [ النساء : 72 ] . وكذلك البرق الذي يضئ يمشى المرء في ضوئه ، وكذلك المنافق ، إذا رأى خيرا في الإسلام مشى إليه ، وإذا أظلم عليه قام متحيرا حزينا ؛ ألا يكون اختار السلوك ، والله الموفق .